أبي منصور الماتريدي
402
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم تحتمل الآية جميع الصدقات التي يتصدق بها على الفقراء والمساكين من الفيء وغيره ، فبين أن هؤلاء موضع لذلك كله ، من نحو قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] وقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] . ويحتمل زكاة الأموال « 1 » المفروضة ، والوجه فيه ما ذكرنا . فإن قيل : إن الرجل إذا أوصى فقال : ثلث مالي لفلان وفلان [ وفلان ] « 2 » ، أليس هو مقسوما بينهما بالسويّة ؟ ما منع أن الأوّل بمثله ؟ قيل : لا « 3 » تشبه الصدقات الوصايا ؛ وذلك أن الوصية إنما وقعت في مال معلوم ، لا يزيد فيه بعد موت الميت شيئا ، ولا يتوهم له مدد ، والصدقات يزيد بعضها بعضا ، وإذا فني مال جاء مال آخر ، وإذا مضت سنة جاءت سنة أخرى بمال جديد ، فإذا دفع الإمام صدقة جميع ما عنده إلى الفقراء ثم حضره غارمون فتحمل إليه صدقة أخرى يجعلها فيهم ، فيصلح بذلك أحوال الجميع ؛ لما لا انقطاع للأموال إلى يوم القيامة . وكيف تقسم الصدقة على ثمانية أسهم ؟ ولا خلاف في أن للعاملين بقدر عمالتهم زاد ذلك على الثمن أو نقص منه ، فإذا زالت القسمة في أحد الأصناف زالت في الجميع ، فأعطي كل صنف منهم بقدر حاجته كما أعطي العاملون ، وكيف يصنع بسهم المؤلفة قلوبهم وقد ارتفع ذلك ونسخ ؟ وعلى ذلك جاء عن بعض الصحابة ، من نحو أبي بكر وعمر أنهم لم يعطوهم شيئا ، أليس يرد ذلك على سائر السهام ؟ ! فإذا جاز أن يزاد على الثمن في وقت ، جاز أن ينقص منه في وقت . وفي قوله : وَالْعامِلِينَ دلالة أن لا بأس للأئمة « 4 » والقضاة أخذ الكفاية من بيت المال ، ولكل عامل للمسلمين أخذ كفايته ورزقه من ذلك إذا فرغ نفسه لذلك ، وكفها عن
--> ( 1 ) في ب : المال . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر المبسوط ( 28 / 135 ) . ( 4 ) جمع إمام وهو كل من ائتم به قوم سواء أكانوا على صراط مستقيم ؛ كما في قوله تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ الأنبياء : 73 ] أم كانوا ضالين ؛ كقوله تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ [ القصص : 41 ] . ثم توسعوا في استعماله ، حتى شمل كل من صار قدوة في فن من فنون العلم ؛ فالإمام أبو حنيفة قدوة في الفقه ، والإمام البخاري قدوة في الحديث . . . إلخ ، غير أنه إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى صاحب الإمامة العظمى ، ولا يطلق على الباقي إلا بالإضافة ؛ لذلك عرف الرازي الإمام بأنه : كل شخص يقتدى به في الدين . ينظر : الفصل في الملل ( 4 / 95 ) .